مقالات وكتابات

بين ما نرجوه… وما نصنعه

(وكالة_الأنباء_الحضرمية)الثلاثاء24/مارس/2026م

ليست الدولة فكرةً نعلّقها في الهواء، ولا صورةً نُجيد رسمها بالكلمات. إنها، قبل كل شيء، حصيلة ما نفعله يوميًا، لا ما نتخيله طويلًا. فبين الحلم الذي يليق بنا، والواقع الذي نعيشه، مساحةٌ لا تُملأ بالأمنيات، بل بالفعل الصامت الذي يتراكم حتى يصير أثرًا.
كثيرون يتقنون الحديث عن الدولة كما ينبغي أن تكون: عادلة، قوية، رحيمة، ومنظمة. لكن القليل فقط يدرك أن هذه الصفات لا تهبط مكتملة، بل تنبت من تفاصيل صغيرة: من أمانة موظف، من التزام معلم، من صدق تاجر، من حرص جار. فالدولة في جوهرها ليست كيانًا بعيدًا عنا، بل انعكاسٌ مكبّر لما نحن عليه في سلوكنا اليومي.
المشكلة لا تكمن في اختلاف الرؤى، فهذا طبيعي وصحي، بل في تحوّل هذا الاختلاف إلى حالة انتظار؛ كأننا نعلّق مسؤوليتنا على شرطٍ مؤجل: “حين تصبح الدولة كما نريد، سنعطيها ما تستحق.” وهنا يحدث الخلل؛ لأن الأوطان لا تكافئ الجاهزين فقط، بل تُصنع أصلًا بمن لم ينتظروا اكتمالها.
ثمّة وهمٌ شائع: أن التغيير الكبير يبدأ من القمة فقط. بينما الحقيقة الأكثر ثباتًا أن ما لا يُبنى في القاعدة، لا يثبت في الأعلى. فكل شارعٍ نظيف، وكل عملٍ متقن، وكل موقفٍ نزيه، هو لبنةٌ في جدارٍ أكبر، حتى لو لم نرَ شكله النهائي بعد.
والأخطر من الانتظار، أن يتحول الإحباط إلى نزعة هدم. إذ يظن بعضهم أن الطريق إلى المستقبل يمرّ عبر كسر الحاضر. لكن الهدم، مهما بدا مبررًا، لا يخلّف سوى فراغٍ أطول، بينما البناء—حتى و إن كان بطيئًا—يمنحنا أرضًا نقف عليها ونواصل منها.
ربما لن تأتي الدولة كما تخيلناها تمامًا، وربما تتأخر أكثر مما نحب. لكن ما لن يضيع أبدًا هو ما نضعه فيها من جهدٍ صادق. فحين تتشكل يومًا، بأي صورةٍ كانت، سنجد أنفسنا داخلها: إمّا شركاء في بنائها، أو غرباء عنها.
لهذا، ليست المسألة أن ننتظر دولةً على مقاس أحلامنا… بل أن نصير نحن على مقاس الدولة التي تستحق أن تُبنى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى