كهرباء المحافظات المحررة.. بين استنزاف الوقود وفرص الطاقة الشمسية الضائعة

(#وكالة_الأنباء_الحضرمية) الجمعة 12/يونيو/2026م
تعيش المحافظات المحررة في اليمن منذ سنوات أزمة كهرباء مزمنة تحولت إلى أحد أبرز التحديات المعيشية التي تثقل كاهل المواطنين، في ظل اعتماد شبه كامل على محطات التوليد العاملة بالوقود المكلف، واستمرار الانقطاعات الطويلة خلال فصول الصيف الحارة، رغم المبالغ الضخمة التي أُنفقت على شراء الوقود وتشغيل المحطات.
وفي الوقت الذي تتجه فيه دول العالم نحو الطاقة المتجددة لتقليل النفقات وتحقيق الاستدامة، ما تزال المحافظات المحررة تدور في حلقة مفرغة من شراء الوقود والاعتماد على المنح الخارجية، دون بناء حلول استراتيجية طويلة الأمد.
مطار إسطنبول.. نموذج عالمي للاستدامة.
يقدم مطار إسطنبول الدولي في تركيا نموذجاً لافتاً في هذا المجال، حيث أصبح أول مطار في العالم يعتمد بالكامل على الطاقة الشمسية لتغطية احتياجاته الكهربائية.
ويعتمد المشروع على محطة طاقة شمسية بقدرة إنتاجية تصل إلى 240 ميجاوات، تم إنشاؤها عبر تركيب نحو 439 ألف لوح شمسي على مساحة تقارب ثلاثة ملايين متر مربع، بتكلفة إجمالية بلغت نحو 229.74 مليون دولار أمريكي.
هذا المشروع العملاق لا يوفر احتياجات المطار فحسب، بل يقدم نموذجاً واضحاً لكيفية تحويل الاستثمارات الرأسمالية إلى مصدر دائم للطاقة بدلاً من الإنفاق المستمر على الوقود والصيانة.
300 مليون دولار للوقود.. ماذا لو استثمرت في الطاقة؟
مؤخراً، أعلنت المملكة العربية السعودية تقديم منحة جديدة بقيمة 300 مليون دولار لدعم وقود محطات الكهرباء في المحافظات المحررة حتى نهاية العام الجاري.
ورغم أهمية هذه المنحة في منع الانهيار الكامل لخدمة الكهرباء، إلا أنها تعيد طرح سؤال جوهري: ماذا لو تم استثمار هذا المبلغ في مشاريع إنتاج الطاقة بدلاً من حرقه في الوقود؟
فإذا كان مشروع مطار إسطنبول قد أنجز قدرة إنتاجية تبلغ 240 ميجاوات مقابل نحو 230 مليون دولار، فإن مبلغ 300 مليون دولار كان يمكن أن يموّل مشروعاً للطاقة الشمسية بقدرة تقارب 300 ميجاوات أو أكثر، مع اختلاف تكاليف التنفيذ من دولة لأخرى.
وبذلك كانت المحافظات المحررة ستحصل على مصدر إنتاج مستدام لعقود طويلة، بدلاً من استهلاك المنحة خلال أشهر قليلة ثم العودة مجدداً إلى أزمة البحث عن تمويل جديد للوقود.
حضرموت والمحطة العمانية.. فرصة ضائعة
ولا تقتصر أزمة الكهرباء على نقص التمويل فقط، بل تمتد إلى تعثر عدد من المشاريع التي كان يمكن أن تسهم في التخفيف من الأزمة.
ومن أبرز الأمثلة ما يتداوله مسؤولون وناشطون في حضرموت بشأن مشروع المحطة الكهربائية العمانية التي جرى الترتيب لشرائها خلال فترة تولي عصام الكثيري منصب وكيل محافظة حضرموت لشؤون الوادي والصحراء.
وبحسب تلك الروايات، فقد تم إجراء ترتيبات متقدمة للمشروع بهدف تعزيز القدرة التوليدية في وادي حضرموت، إلا أن المشروع واجه عراقيل حالت دون تنفيذه، وسط اتهامات بتدخلات من جهات مركزية وأطراف نافذة داخل السلطة المحلية بالمحافظة أدت إلى إفشاله.
ورغم مرور سنوات على تلك الواقعة، لا تزال الأسئلة قائمة حول الأسباب الحقيقية التي منعت تنفيذ المشروع، وحجم الفوائد التي كانت ستتحقق لو دخلت تلك المحطة الخدمة في حينها.
أزمة إدارة أم أزمة موارد؟
تكشف المقارنات بين حجم الإنفاق على الوقود وبين تكلفة مشاريع الطاقة المتجددة أن المشكلة لا ترتبط فقط بشح الموارد المالية، بل بطبيعة السياسات المتبعة في إدارة قطاع الكهرباء.
فالمحافظات المحررة تتمتع بمعدلات سطوع شمسي تعد من الأعلى عالمياً، ما يجعل الاستثمار في الطاقة الشمسية خياراً اقتصادياً واستراتيجياً أكثر جدوى من الاعتماد الدائم على الوقود المستورد.
كما أن استمرار إنفاق مئات الملايين من الدولارات سنوياً على الوقود يرسخ حالة الاعتماد على المنح والمساعدات الخارجية، دون بناء بنية تحتية قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي مستقبلاً.
بين نموذج مطار إسطنبول الذي نجح في التحول إلى الطاقة الشمسية بنسبة 100%، وبين واقع المحافظات المحررة التي تستهلك مئات الملايين من الدولارات في الوقود سنوياً، تتجسد الفجوة بين الاستثمار في المستقبل والإنفاق على الحلول المؤقتة.
وتبقى أزمة الكهرباء في اليمن اختباراً حقيقياً لقدرة السلطات على الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول، عبر تبني مشاريع استراتيجية للطاقة المتجددة، ومراجعة الفرص التي ضاعت في الماضي حتى لا تتكرر خسارتها في المستقبل.




