فكرة من مفكر : قراءة في الواقع بعيون العظماء (٢)

(#وكالة_الأنباء_الحضرمية) الأربعاء 19 / أغسطس/ 2026م
✍🏻 عبدالرحمن علي باضاوي
أن المفاهيم والكلمات والألفاظ ليست ادوات أو وسائل للتعبير ، بل هي عملية معقدة لتكوين الأفكار والمعتقدات لدى الإنسان ، بل حتى تقوم بتغيير المواقف التي يتبناها الفرد سواء أن كانت سياسية أو اجتماعية أو غيرها ..!
وفي إطار هذه السلسلة التي نستعرض فيها أفكار كبار المفكرين، ننتقل اليوم إلى الكاتب الانجليزي جورج أورويل وفكرته ( حول أثر اللغة في تشكيل الوعي) ، وصناعة الرأي العام ورسم شبكة السياسات الداخلية والخارجية التي تحدد توجه الدولة أو الجماعات أو الأفراد في المجتمعات البشرية..!
ما حجم الأثر الذي تحدثه اللغة في تشكيل الوعي ؟ وكيف يحدث ذلك ؟
لقد مرت الشعوب البشرية بالعديد من التجارب والممارسات المختلفة ، وكانت في كل تجربة أو حقبة زمنية محددة لها لغتها وأسلوبها الخاص ، منذ عهد الحضارات القديمة ومروراََ بالعصور الوسطى حتى عصرنا الحالي ، وكانت الخطابة والدعاية هي الوسيلة الأبرز والأقوى في التلاعب في هذة الألفاظ والمعاني، مثال بسيط على ذلك صانع الفخار يقوم بتشكيل الأشياء بيديه وفق ما يشاء وكيف يشاء ، كذلك الواقع تجد الذي يمسك بزمام الأمور يجعل من يشاء الوفي الصادق المكافح والخائن و العميل ، ذلك بإستخدام لفظ واحد ويقوم بتسليط الخطابة والدعاية على ذلك اللفظ وعندها تتشكل لدى المستقبل الصورة الذهنية التي يريدها المرسل..!
ولقد وضح أورويل أيضا أن اللغة لا تقتصر آثارها على تشكيل وعي الأفراد وصناعة الصور الذهنية لديهم، بل تمتد آثارها إلى المجال السياسي، حيث يمكن للغة أن تسهم في تحديد سياسة الدولة وتوجهاتها، من خلال الطريقة التي تصف بها السلطة الأحداث والخصوم والحروب والأزمات والقضايا الداخلية والخارجية ، مثلاً عندما تصف الدولة قرارا اقتصاديا بأنه ( إصلاح اقتصادي ضروري ) فإنها تمنحه صورة إيجابية لدى المجتمع، بينما لو وصفته بأنه «أعباء اقتصادية جديدة على المواطنين» فقد يتشكل موقف مختلف تماما تجاه القرار ، رغم أن الإجراء نفسه لم يتغير ، وهنا يظهر كيف يمكن لاختيار المصطلح أن يؤثر في الرأي العام وبالتالي يعطي الدولة القدرة على تمرير سياساتها وتوجهاتها…!
إذن من خلال هذا الطرح تصبح الكلمات والمفاهيم ، كالآلة الموسيقية تتغير بتغير العزف والنوته ، اذا اراد العازف أن تكون سعيدة فتصبح سعيدة وإذا أراد أن تكون حماسية أو حزينة فتكون وهكذا ، وتتغير مشاعر وأحاسيس المستمع وفق ذلك..!



