مقالات وكتابات

حكاية التغرير الرقمي

(#وكالة_الأنباء_الحضرمية) السبت 4/أبريل/2026م

كتبه/ عبدالله حسن قاسم

في زمنٍ تتسارع فيه الأخبار كما تتسارع أنفاس الحياة، لم يعد المتلقي ينتظر الحقيقة بقدر ما يتلقى أول ما يصله. بضغطة زرّ، يمكن لمعلومة أن تعبر القارات، وأن تستقر في الوعي قبل أن تُمحَّص أو تُراجع.

هذا التدفق الهائل للمحتوى جعل من وسائل التواصل الاجتماعي قوةً هائلة التأثير، لكنها في الوقت ذاته فتحت الباب واسعًا أمام من يجيدون توجيهها واستغلالها، ليصوغوا من خلالها واقعًا بديلًا يُقدَّم للناس على أنه الحقيقة.

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتواصل وتبادل الآراء، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحات مفتوحة لإعادة تشكيل الوعي العام. فقد برزت ما يمكن تسميته بـ”مطابخ إعلامية” احترافية، تقف خلفها جهات نافذة، تعمل على إنتاج محتوى موجّه بعناية، يخلط بين الحقيقة والتضليل، ويُقدَّم في قالب جذاب يسهل تداوله.

هذه الجهات لا تكتفي بصناعة الرسائل، بل تستثمر في بناء جمهور واسع عبر أدوات التأثير الحديثة، فتتمكن من تمرير رواياتها وتكريسها في أذهان المتلقين، حتى تبدو وكأنها الحقائق الوحيدة المتاحة.

ومع امتلاك هذه المطابخ لنفوذ إعلامي كبير وسطوة واضحة على مساحات واسعة من المتابعين، تصبح القضايا عرضةً للتحريف وإعادة التشكيل وفق مصالح محددة. تُقتطع الوقائع من سياقها، وتُضخّم أحداث بعينها، بينما تُهمَّش أخرى، في عملية انتقائية دقيقة تُوجّه الرأي العام نحو مسارات مرسومة سلفًا. وفي ظل هذا التدفق الكثيف للمحتوى، يتلقف كثير من الناس هذه المواد بسذاجة أو بحسن نية، فيعيدون نشرها والترويج لها على أنها حقائق مطلقة، دون تمحيص أو تحقق، ما يسهم في توسيع دائرة التضليل.

النتيجة أن الرأي العام لم يعد يتشكل بشكل طبيعي أو عفوي، بل بات في كثير من الأحيان نتاجًا لتأثيرات خفية تُدار من خلف الشاشات. ويقع الطيبون، ممن يثقون بسهولة أو يفتقرون لأدوات التحقق، ضحايا لهذه الحملات الممنهجة، فينخرطون في معارك وهمية أو يتبنون مواقف مبنية على معلومات مضللة.

وأمام هذا المشهد المتشابك، لم يعد الحياد ممكنًا، ولا الاكتفاء بدور المتلقي كافيًا. فالمعركة اليوم ليست فقط على نقل الخبر، بل على تشكيل الوعي ذاته. لذلك، يصبح الوعي النقدي مسؤولية فردية لا تقل أهمية عن أي دور آخر؛ أن نسأل، نتحقق، ونفكك ما يُقدَّم لنا قبل أن نعيد إنتاجه. فإما أن نكون جزءًا من وعيٍ يُبنى على الفهم، أو حلقةً في سلسلة تضليلٍ تتسع كل يوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى