مقالات وكتابات

حين لا يأتي العيد من الخارج

(#وكالة_الأنباء_الحضرمية) الأربعاء 18/مارس/2026م

✍🏻 بقلم/ عبدالله حسن قاسم

ليس العيد ذلك الزائر الذي ننتظره على الأبواب، ولا هو الضيف الذي تُعرَف ملامحه بالزينة وأصوات التهاني؛ بل إنّه، قبل كل شيء، حالةٌ تنشأ في الداخل. ومن هنا، فإن لحظة العيد الحقيقية لا تبدأ حين يُعلَن قدومه، بل حين يتخفّف القلب من أثقاله، ويُعيد ترتيب صلته بنفسه وبالعالم من حوله.

وإذا كان الأمر كذلك، فإن مرور الزمن نفسه يأخذ معنى مختلفًا؛ إذ لا تمضي السنوات لأنها قصيرة، بل لأننا نُسلّمها لانشغالاتنا دون أن نشعر.

تتسرّب الأيام من بين أيدينا بهدوء، حتى نصل إلى محطاتٍ نظنّها كفيلة بأن تمنحنا الفرح، كالعيد مثلًا، فننتظره وكأنه سيأتي مكتملًا من الخارج، بينما هو في حقيقته امتدادٌ لما صنعناه في داخلنا طوال الأيام الماضية.

ومن هذا المنطلق، تتباين صور العيد بين الناس؛ فبينما يراه بعضهم موسمًا للامتلاء والبهجة، يراه آخرون مرآةً تعكس ما ينقصهم. وبين هذين الشعورين، لا يتحدد العيد بما يُعرض في الخارج، بل بما يتشكّل في الداخل: في الرضا أو السخط، في الامتنان أو المقارنة. وهنا تحديدًا، تتجلّى قيمة الإنسان لا بما يملك، بل بما يشعر، وبما يقدر على منحه للآخرين.

وعلى امتداد هذه الفكرة، يصبح من الواضح أن العيد لا يُقاس بكثرة ما نُعدّ، بل بعمق ما نُحسّ. فقد يحمل بيتٌ بسيطٌ من الدفء ما لا تحمله القصور، وقد تختزن مائدةٌ متواضعة صدقًا لا تمنحه موائد عامرة.
ذلك أن الفارق الحقيقي لا تصنعه وفرة الأشياء، بل تصوغه روح المشاركة، وصدق الحضور، وكرم الشعور.

غير أن هذه الصورة لا تكتمل دون الالتفات إلى أولئك الذين يعيشون العيد على نحوٍ مختلف؛ ففي زوايا الحياة البعيدة عن الضوء، ثمة من يوازن بين احتياجاتٍ كثيرة وإمكاناتٍ محدودة، فيستقبل العيد بحذرٍ يختلط فيه الأمل بالصبر. وهنا، يتحوّل العيد من مناسبةٍ للزهو إلى امتحانٍ للإنسانية: كيف ننظر للآخر؟ وكيف نتحدث معه؟ ومتى يكون الصمت أبلغ من الكلام؟
وبناءً على ذلك، يتغيّر معنى العطاء نفسه؛ إذ لا يعود مقصورًا على ما يُشترى ويُقدَّم، بل يمتد إلى ما هو أعمق وأبقى: كلمةٍ طيبة تُقال في وقتها، عذرٍ يُمنح بسخاء، ونظرةٍ تخلو من الحكم والمقارنة. فليس للفرح شكلٌ واحد، ولا للبهجة معيارٌ يُفرض على الجميع.

وفي ضوء كل ما سبق، يتضح أن العيد ليس ما نرتديه، بل ما نتحلّى به؛ ليس ما نُظهره، بل ما نُخفيه من صفاء. إنّه القدرة الهادئة على أن نصنع من العادي معنى، ومن القليل كفاية، ومن اللحظة العابرة أثرًا يستحق أن يُحفَظ.

ولهذا كلّه، إذا أقبل العيد، فلا تُرهقوا أنفسكم في البحث عنه خارجكم؛ بل التمسوه في صدق ابتسامة، وفي يدٍ تمتدّ دون حساب، وفي قلبٍ يصفح دون ضجيج. هناك فقط، حيث تتراجع المظاهر وتصفو النوايا، يبدأ العيد حقًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى