ما ينفعُ الناس…

(وكالة_الأنباء_الحضرمية)الخميس12/مارس/2026م
حين ارتفع صوت الإمام يحثّ المصلين على تسوية الصفوف، كان (أبو مصطفى) ما يزال يفاوض مائدته الدسمة؛ لم يشأ أن يغادرها قبل أن يمنحها حقها كاملًا، كما لم يرد في الوقت نفسه أن تفوته الصلاة. نهض مثقلاً، كأن الخطوات تُسحب من تحت قدميه، وأخذ يحثّ السير نحو الجامع. غير أن جسده المترهّل، وما أودعه فيه من وفرة الطعام، لم يكونا عونًا على العجلة. بدا كمن يهرول عكس الريح؛ تدفعه خطوةً وترده أخرى، تحاول أن تعرقل اندفاعه، لكنه يشقّها بعنادٍ خافت حتى يبلغ مقصده.
وعند الطريق الرئيس المؤدي إلى المسجد، تفرّعت الجموع كجداول صغيرة تصبّ في نهرٍ واحد. رجال يركنون سياراتهم، وآخرون يطفئون محركات دراجاتهم على عجل، وكلٌّ يسابق اللحظة ليدرك الركعة الأولى. إنها أيام الثلث الأخير من الشهر الكريم؛ تلك الأيام التي يتكثف فيها الشوق، ويزداد فيها الوجدان يقظةً.
مشهد يفيض رجاءً؛ يوقظ في القلب طمأنينةً خفية، كأن الأرواح حين تجتمع على باب الله تتخفف من أثقالها، وتستعيد شيئًا من صفائها الأول.
بعد دقائق، بلغ (أبو مصطفى) مكانه في الصف الأول، خلف الإمام مباشرة. لم يكن يقنع بغير هذا الموضع، شأنه شأن كثير من الشيوخ الذين أثقلتهم الأعوام، غير أن قلوبهم ما تزال فتية حين يُنادى للصلاة. تراهم يقبلون بعزائم تناطح السحاب، رغم ما في أجسادهم من وهن.
وعلى الطرف الآخر من الصورة، يقف شباب في عمر الورد، مكتملو العافية، لكنهم يتثاقلون بين الركعتين، كأن القيام عبءٌ ثقيل. يستريحون طويلًا، ولا ينهضون إلا حين يهمّ الإمام بالركوع، فتتخلخل الصفوف ويضطرب النظام. بعضهم جاء استجابة لإلحاح الآباء، وبعضهم وجد في المسجد فسحة لعبٍ لا محراب عبادة.
وفي نفس (أبو مصطفى) غصّة خفية تجاه الإمام؛ ذلك الذي يملك صوتًا أخّاذًا ينساب في الآيات كجدولٍ رقراق. كان الأمر أقرب إلى حسد الأقران؛ فـ(أبو مصطفى) تعلّم القرآن صغيرًا على يد شيخ وقور، وتولّى إمامة المسجد سنين طويلة، ومع ذلك لم يسمع يومًا من يثني على صوته كما يُثنى اليوم على صوت هذا الإمام.
بحث في داخله عن ثغرةٍ يخفف بها وطأة المقارنة. ومن يفتش طويلًا لا بد أن يجد ما يظنه ثغرة. لكنه اكتشف، على غير ما أراد، أن المسألة تنقلب عليه؛ فحافظ القرآن لا يكفيه الحفظ وحده إن لم يتسع صدره لأوجه القراءات، ولا يكفيه العلم إن ضاق قلبه عن فضائل غيره.
في محيط المسجد، كانت الطرق تتلألأ بأنوار زيتية أعاد بعض المهندسين إصلاحها قبل أشهر، فجاء رمضان ليكسوها بطبقةٍ من الروح.
لا يليق بهذه المدينة إلا النور؛ تبدو باسمة حين تُضاء، ومنكسرة حين يغمرها الظلام.
ومن المآذن، تنطلق أصوات المؤذنين والقراء، حناجر كأنها صيغت من ذهب، ترسل الآيات عذبة رقراقة. يتلقاها السامع بقلبٍ خاشع، فتتردد في أعماقه همسةٌ واحدة:
سبحانك… ما أعظمك يا الله.



