مقالات وكتابات

بريق الصورة وعتمة الأصل

(وكالة_الأنباء_الحضرمية) الأربعاء22/أبريل/2026م

أنفق الملياردير أموالًا تتدفق كالسيل على ليلةٍ من لهوٍ وضجيج، تتراقص فيها الأضواء وتتناثر فيها الهدايا كما لو كانت فتات من فائض ثراء.

دفع بسخاءٍ فاتورة إقامته في فندقٍ فاخر، حيث كل شيء يلمع ببريق الامتياز، لكنه حين وقف أمام السيدة التي رتّبت غرفته بعناية، ضاق صدره بما لا يُذكر، وبخل بما لا يُقاس. رمقها بنظرة امتعاض، تجاهل جهدها الصامت، صرخ في وجهها، ثم ألقى إليها بورقةٍ هزيلة ومضى، كأنما يفرّ من موقفٍ لا يليق إلا به.

غير أنّ تلك اللحظة، على صِغَرها، كانت كفيلةً بأن تُحدث شرخًا خفيًا في داخله؛ إذ انبثقت في ذاكرته عبارةٌ قديمة: “قبل أن تمنح شيئًا، تذكّر أن طريقة معاملتك أهمّ بكثير من عطائك”.

ترددت الكلمات كصدى بعيد، لكنها لم تجد قلبًا يُصغي؛ فمنذ أن أثقلته الثروة، خفَتَ صوت نفسه اللوّامة، وغاب عنه وخز الضمير. ومع ذلك، ظلّت هذه المواقف توقظه لوهلة، تدعوه إلى ميزانٍ عادل بين ما ينبغي وما كان، قبل أن يحسم أمره بانحيازٍ مريح، حيث ينبعث من داخله صوتٌ بارع في التبرير، يكسو الخطأ بثوب المنطق.

وهكذا، حين يصالح الإنسان هواه، يضعف إلى حدّ التماهي مع كل موجة، وينقاد خلف كل نداء، خاصة حين تتكاثر في داخله أصواتٌ خادعة تشرعن له ما كان بالأمس مرفوضًا.

وكاد أن يقف لحظة صدقٍ بين ما قرأ وما فعل، لولا أن باغتته جموع المصورين، فقطعت خيط تأمله، وأعادته إلى مسرح الصورة.

ابتسم لهم ابتسامةً مصقولة، وبالغ في التحية، ثم بادر إلى نثر المال بين أيديهم، فشغلهم ببريقه عن عدساتهم. كان يدرك، بوعيٍ لا يخلو من مكر، أن تلميع الصورة أيسر بكثير من تهذيب الأصل، وأن عيوب النفس تحتاج من الجهد ما يفوق ترميم آثار الحوادث.

وكان يعلم أن لكل شيءٍ ضريبة، وأن أقصر الطرق إلى تحسين المظهر هو استرضاء العيون التي تنقل الصورة.

لكن صورةً واحدةً لم تفارقه: تلك التي خلّفها صباحًا في وجه المرأة البسيطة. تسلّل القلق إلى صدره حين خطر له احتمال وجود كاميراٍ قريبة قد التقطت ما لا يُحب أن يُرى.

كان مستعدًا أن يدفع أضعاف ما أنفقه، لا ليُصلح الخطأ، بل ليطمره. غير أن المال، الذي اشترى ذممًا كثيرة، وقف عاجزًا هذه المرة؛ فقد عجزت أكوامه أن تشتري صمت ضميرٍ واحد، أو أن تمحو أثر موقفٍ كشف الحقيقة.

وهنا تتجلّى المفارقة التي يلخّصها العنوان: بريق الصورة قد يخدع العيون، لكنه لا يُصلح عتمة الأصل.

فليس كل ما يُلمَّع يُصلح، وليس كل ما يُخفى يُنسى. إن ما يحتاجه الإنسان ليس مزيدًا من الطلاء، بل شجاعة تنقية الجوهر؛ لأن كل محاولات التجميل، مهما أتقنت، تظل رهينة الزمن، حتى تأتي لحظةٌ تنقشع فيها الزينة، وتنكشف الملامح على حقيقتها، ويذوب الزيف كما يذوب الضباب تحت شمسٍ لا تُخدع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى