مقالات وكتابات

حملة منع حمل السلاح في سيئون: بداية ضرورية لإعادة بناء السلم الاجتماعي

(وكالة_الأنباء_الحضرمية)الإثنين2/فبراير/2026م

انطلقت في مدينة سيئون حملة موسعة لمنع حمل السلاح، رافقتها جهود إعلامية وتوعوية ملحوظة، في خطوة إيجابية تهدف إلى تعزيز الأمن وتقليص مظاهر العنف المسلح، خصوصًا في ظل المرحلة السياسية الدقيقة التي تمر بها البلاد.
تأتي هذه المبادرة في توقيت مناسب، لكنها تظل خطوة تمهيدية في مسار طويل ومعقد، يتطلب معالجة عميقة للأسباب الاجتماعية والفكرية التي تتجاوز مجرد حيازة السلاح. فالمشكلة في جوهرها مرتبطة بتراجع الوعي وتشوه المفاهيم الاجتماعية، نتيجة تراكمات استمرت لأكثر من عقد، لعبت فيها أطراف سياسية دورًا في توظيف المجتمع والوعي الجمعي لخدمة مصالحها.
تعود بدايات الأزمة إلى مرحلة التوترات السياسية والحرب خلال الأعوام 2014–2016، حين تعرضت بعض الفئات المجتمعية لغزو فكري وثقافي ممنهج، جرى خلاله تشويه مفهوم “القبولة”، وربطها بالقوة المجردة وحمل السلاح والبلطجة، في حين أن جوهرها الحقيقي يقوم على حماية الضعفاء ونصرة المظلوم والالتزام بالقيم النبيلة.
وخلال تلك المرحلة، انفتح المجتمع على مؤثرات خارجية صاخبة، وبرزت ممارسات سلبية لم تواجه بردع جاد، بالتوازي مع تواطؤ بعض المؤثرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي مع فاعلين سياسيين، لتكريس صورة مشوهة للحياة اليومية، تتغذى على استعراض السلاح، والعنف، والمظاهر الصاخبة.
هذا الانحراف الثقافي أدى إلى خلخلة المنظومة القيمية، وخلق شرخ اجتماعي متسارع، تطور في كثير من الأحيان إلى عنف لفظي وسلوكي، ما أضر بالسلم الاجتماعي، ورسخ مشاعر الغضب والتهميش لدى شرائح واسعة من المجتمع.
وفي ظل هذا التفكك المُعدّ له، برز مشروع سياسي يرفع شعارات الدولة المدنية والعدالة الاجتماعية، لكنه استغل الانقسام المجتمعي، ووظفه لإثارة العواطف والانتماءات الضيقة، رغم ما رافقه من تناقضات أثارت كثيرًا من الشكوك حول أهدافه الحقيقية. وقد انتهى هذا المشروع إلى الفشل، مصداقًا لقوله تعالى: “ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين”.
اليوم، يقف المجتمع أمام منعطف حاسم، حيث باتت إعادة ترسيخ المفاهيم الصحيحة، وتصحيح البنية الفكرية للمجتمع، ضرورة لا تحتمل التأجيل. ففرض منع حمل السلاح دون معالجة الثقافة المشوهة التي ربطته بالهوية والكرامة، سيُفهم لدى كثيرين على أنه إجراء قسري، لا حل جذري.
الطريق نحو استعادة السلم الاجتماعي يبدأ بتفكيك هذه الثقافة الخاطئة، وإعادة بناء الوعي الجمعي على أسس السلم والتكافل والعدل. وهي معركة وعي بالدرجة الأولى، تتطلب قيادة واعية من المثقفين والأكاديميين والفاعلين المجتمعيين الموثوقين، لتوحيد الصف، وبناء بيئة سياسية واجتماعية متماسكة، قادرة على التوافق، والتحصن من التأثيرات الخارجية، والانطلاق نحو مستقبل أكثر استقرارًا وأمانًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى