سلطات… سوداء

(#وكالة_الأنباء_الحضرمية) السبت 6/يونيو/2026م
كتبه/عبدالله قاسم
لا تبدأ السوق السوداء من العدم، ولا تنشأ عادةً لأن بعض التجار قرروا استغلال الناس فحسب. إنها تظهر عندما تغيب القواعد الواضحة، وتضعف الرقابة، وتصبح الحاجة أقوى من أي خيار آخر. عندها تتشكل سلطة جديدة، لا تستند إلى قانون أو مؤسسة، بل إلى القدرة على توفير السلعة المفقودة.
في كل أزمة تتكرر القصة ذاتها. تختفي مادة أساسية أو تتراجع كمياتها في الأسواق، فيبدأ المواطن رحلة البحث عنها. وبعد أيام قليلة تظهر السلعة نفسها، لكن بسعر مختلف ومكان مختلف وطريقة مختلفة. كأن الأزمة لم تُنهِ وجود المادة، بل غيّرت فقط الجهة التي تملك حق الوصول إليها.
ولنأخذ الغاز مثالًا. فخلال فترات الشح أو إغلاق محطات التوزيع لا يختفي الطلب، بل يزداد. والمواطن الذي يحتاج إلى الغاز لا يستطيع تأجيل حاجته أو الاستغناء عنها. وهنا تنشأ قوة السوق السوداء؛ فهي تدرك أن الوقت ليس في صالح المستهلك، وأن حاجته ستدفعه في النهاية إلى القبول بالسعر الذي يُفرض عليه.
المقلق في الأمر ليس ظهور هذه السوق، بل تحولها إلى جزء مألوف من المشهد العام. فحين تتكرر الأزمات بالآلية نفسها، ويعرف الجميع مسبقًا ما سيحدث، تصبح السوق السوداء أشبه بمؤسسة غير معلنة تعمل بالتوازي مع القنوات الرسمية، بل وتتفوق عليها أحيانًا في القدرة على الوصول إلى السلع وتوزيعها.
ومع مرور الوقت لا يقتصر الضرر على الجانب الاقتصادي. فالمواطن الذي يرى الأزمات تتكرر دون حلول يفقد ثقته بقدرة المؤسسات على إدارة الملفات الأساسية. وحين تتراجع الثقة، تتراجع معها هيبة النظام الرسمي لصالح قوى غير رسمية تستمد نفوذها من الفراغ القائم.
لهذا فإن مواجهة السوق السوداء لا تبدأ بملاحقة الباعة فقط، بل بمعالجة البيئة التي تسمح لها بالازدهار. فكلما كانت إجراءات التوزيع واضحة، والرقابة فاعلة، والمحاسبة حاضرة، ضاقت المساحة التي تتحرك فيها هذه “السلطات السوداء”. أما حين تستمر الأزمات دون تفسير أو معالجة، فإن السؤال لن يكون لماذا ظهرت السوق السوداء، بل لماذا أصبحت أقوى من كل مرة سبقتها.



