زمنُ الانتظار

(#وكالة_الأنباء_الحضرمية) الأربعاء 15/ابريل/2026م
كتبه/عبدالله قاسم
كأنما كُتب على هذا المواطن أن يذرع نصف عمره، أو يزيد، في طوابير لا تنتهي؛ طوابير تمتد كأفعى من تعبٍ على جسد الأرض، لا يقطع رأسها تبدّلُ مسؤولٍ، ولا يبدّد سُمَّها تغيّرُ راعٍ. كأنها قدرٌ يتجدّد، أو لعنةٌ لا تُفكّ عقدتُها… فهل تُبتلى الأوطان بثرواتها كما يُبتلى الفقراء بفقرهم؟
يعيش المواطن على حافة القلق، يرقب أسطوانة الغاز كما يُراقَبُ العمر حين يوشك أن ينفد، يلاحقها بنظراتٍ مثقلةٍ بالخوف، فيما أبواب المحطات موصدة، والحلول غائبة، والوعود تذوب كملحٍ في ماء الانتظار. لا شيء يتغيّر سوى الوجوه، أما المعاناة فثابتة كظلٍّ لا يغيب. وحين يضيق به الأمل، يجوب المدينة باحثًا عن قطرة وقود، لكنه كمن يبحث عن نجاةٍ في صحراء، ليصطدم بالأبواب المغلقة، فيرفع سؤاله إلى الفراغ الثقيل: إلى متى؟
ولا تسأل عن معاناة الكهرباء، فهي أيضًا مهترئة؛ إذ إن عدد ساعات انطفائها يزيد على عدد ساعات تشغيلها، لتترك خلفها عتمةً تتكاثر في الأرواح قبل البيوت، وتخلّف ضيقًا يفاقم معاناة الصغار وكبار السن والمرضى، وتتوقف معها الأعمال التي يتطلّب إنجازها طاقةً كهربائية. كان الأمل يلوح كنافذةٍ بعيدة، فإذا به ينكسر سريعًا، ويعود الناس إلى طقوس الانتظار القاسي، يصطفّون لا طلبًا للرفاه، بل طلبًا للحد الأدنى من الحياة.
والموجع أكثر، أنك إن نقّبت في جذور هذه الأزمات، لن تجد سوى أسبابٍ واهية، ضيّقة، تافهة… مماحكات، ومحاصصات، وحسابات صغيرة تُدار على حساب إنسانٍ كبير في وجعه. كأن هذا العناء لا يُرى، وكأن هذا الألم لا يستحق أن يُصغى إليه، وكأن القلوب اعتادت المشهد حتى ما عاد لها أن ترجف أو تدمع.
إنه لعارٌ أن تظل الخدمات في حضرموت بهذا الهشاش، وهذا التآكل الذي ينهش كرامة الإنسان يومًا بعد يوم. لا يليق بأرضٍ تسبح فوق كنوزها أن يغرق أهلها في العوز، ولا بمحافظةٍ مسالمة أن تُكافأ بكل هذا الإهمال. كان الأجدر أن تُقتلع جذور المعاناة من تربتها، وأن تُروى بمشاريع تليق بها، فتزهر حياةً لا طوابير فيها ولا انتظار.
فهل آن للأرض أن تستردّ حقها من نفسها؟ أم أن ذلك لن يكون إلا بصرخةٍ تعلو، وحراكٍ يجتثّ هذا العبث من جذوره، ليُكتب فصلٌ جديد، لا يبدأ بطابور… ولا ينتهي بخيبة؟



