مواجهات بترومسيلة تُطيح بالتهدئة وتغيّر السيطرة على المنشآت النفطية
شهدت منشآت بترومسيلة النفطية بهضبة حضرموت، الخميس 4 ديسمبر 2025، مواجهات مسلحة بين قوات النخبة الحضرمية والقوات التابعة لحلف قبائل حضرموت، انتهت بانسحاب قوات الحلف وانتقال السيطرة على مواقع حماية المنشآت إلى القوات المحسوبة على المجلس الانتقالي الجنوبي. وجاءت المواجهات بعد ساعات من اتفاق تهدئة برعاية سعودية، وسط اتهامات متبادلة بشأن الطرف المسؤول عن انهياره.
شهدت هضبة حضرموت، صباح الخميس 4 ديسمبر 2025، تصعيدًا عسكريًا جديدًا في محيط منشآت شركة بترومسيلة النفطية، بعدما اندلعت مواجهات بين قوات النخبة الحضرمية المرتبطة بالمنطقة العسكرية الثانية وقوات حماية حضرموت التابعة لحلف قبائل حضرموت، بقيادة الشيخ عمرو بن حبريش.
وجاءت المواجهات بعد أقل من يوم على توقيع اتفاق تهدئة في مدينة المكلا بين السلطة المحلية وحلف قبائل حضرموت، برعاية سعودية ووساطة محلية، كان من المفترض أن يبدأ تنفيذه صباح الخميس بإعادة تموضع القوات المتواجدة في محيط المنشآت النفطية.
غير أن التطورات الميدانية اتخذت مسارًا مختلفًا، بعدما تحولت ترتيبات الانسحاب إلى مواجهة مسلحة انتهت بتغير السيطرة على المواقع التي كانت قوات حماية حضرموت قد انتشرت فيها منذ 29 نوفمبر.
اتفاق التهدئة الذي سبق المواجهات
في الثالث من ديسمبر، توصل محافظ حضرموت سالم أحمد الخنبشي ورئيس حلف قبائل حضرموت عمرو بن حبريش إلى اتفاق من 13 بندًا، هدف إلى إنهاء التوتر العسكري والأمني حول منشآت بترومسيلة.
وتضمن الاتفاق انسحاب قوات حماية حضرموت إلى مسافة لا تقل عن كيلومتر واحد خارج محيط الشركة، مقابل انسحاب قوات النخبة المساندة إلى مسافة لا تقل عن ثلاثة كيلومترات من مواقعها الحالية، مع إعادة قوات حماية الشركات إلى مواقعها السابقة.
كما نص على منع التعزيزات العسكرية الجديدة، وضمان حركة الموظفين، وعودة الأعمال التشغيلية، وإجراء ترتيبات لإعادة تنظيم القوة المكلفة بحماية المنشآت.
وكان الموعد المحدد لبدء تنفيذ الانسحابات الساعة الثامنة من صباح الخميس 4 ديسمبر 2025.
اندلاع المواجهات في محيط بترومسيلة
مع بدء اليوم المحدد لتنفيذ الاتفاق، وردت أنباء عن اندلاع مواجهات مسلحة في محيط منشآت بترومسيلة بين القوات التابعة للحلف والقوات المحسوبة على المجلس الانتقالي الجنوبي.
وأفادت مصادر قبلية نقل عنها موقع «يمن مونيتور» بأن قوات حماية حضرموت تعرضت لهجوم أثناء تنفيذ عملية انسحاب من مواقع الشركات النفطية وفق اتفاق التهدئة.
وبحسب رواية هذه المصادر، استخدمت القوات المهاجمة أسلحة ثقيلة وطائرات مسيّرة، ما أدى إلى انسحاب القوات التابعة للحلف من مواقعها.
في المقابل، قدم المركز الإعلامي للمنطقة العسكرية الثانية رواية مختلفة، اتهم فيها قوات الشيخ عمرو بن حبريش بمهاجمة مواقع قوات النخبة في محيط الشركات، معتبرًا أن تحرك قواته جاء لصد الهجوم.
وتعكس هذه الروايات المتعارضة حجم الخلاف بشأن المسؤولية عن بدء المواجهة، ولا تتوافر في المصادر التي تناولت الحدث أدلة مستقلة كافية للجزم بصحة إحدى الروايتين في جميع تفاصيلها.
تغير السيطرة على المنشآت النفطية
انتهت المواجهات، التي وصفتها تقارير صحفية بأنها محدودة نسبيًا، بانسحاب قوات حماية حضرموت من مواقعها داخل المنشآت النفطية وفي محيطها، وانتقال السيطرة إلى قوات النخبة الحضرمية والقوات المحسوبة على المجلس الانتقالي الجنوبي.
وأعلنت جهات إعلامية مؤيدة للمجلس الانتقالي أن ما حدث يمثل إعادة انتشار للقوات العسكرية في محيط الشركات النفطية وتأمينًا للمواقع والنقاط الاستراتيجية.
كما أعلن فرج البحسني، عضو مجلس القيادة الرئاسي ونائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي آنذاك، انتهاء ما وصفه بتمرد القوات التابعة للشيخ عمرو بن حبريش، معتبرًا أن السيطرة على المواقع جاءت في إطار استعادة الأمن.
في المقابل، كان حلف قبائل حضرموت قد أعلن قبل ذلك أن وجود قواته داخل المسيلة يهدف إلى حماية الثروات الوطنية وتأمين المنشآت، وليس الاستيلاء عليها خارج إطار الدولة.
وتشير النتيجة الميدانية التي أوردتها التغطيات المختلفة إلى انتقال السيطرة على مواقع حماية الشركات، دون أن يعني ذلك بالضرورة تغير الإدارة المدنية أو الملكية القانونية للمنشآت النفطية.
تراجع جهود الوساطة
مثلت مواجهات 4 ديسمبر انتكاسة واضحة لاتفاق التهدئة الموقع في اليوم السابق.
فقد كان الاتفاق يستهدف الفصل بين القوات المتنازعة وإعادة ترتيب الانتشار الأمني بصورة تدريجية، إلا أن المواجهات أنهت عمليًا فرص تنفيذ بنوده وفق الجدول المعلن.
وأشارت تقارير مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية إلى انهيار جهود الوساطة الطارئة وتجدد الاشتباكات بين قوات النخبة والمقاتلين القبليين في المنطقة النفطية.
كما أفاد المركز بأن الشيخ عمرو بن حبريش غادر لاحقًا إلى السعودية، ودعا قواته إلى حل تشكيلاتها والعودة إلى منازلها، في تطور عكس تراجع موقع قوات الحلف ميدانيًا خلال تلك المرحلة.
تأثير المواجهات على النشاط النفطي
تزامنت المواجهات مع اضطراب النشاط التشغيلي لشركة بترومسيلة، التي كانت قد أعلنت مطلع ديسمبر إيقاف عمليات الإنتاج والتكرير مؤقتًا بسبب تدهور الأوضاع الأمنية والمخاوف المتعلقة بسلامة العاملين والمنشآت.
وفي يوم 4 ديسمبر، أعلنت الشركة بدء العودة التدريجية للعمل في قطاعات المسيلة، بعد تحسن الأوضاع الأمنية وتأمين الحقول والمنشآت.
وأكدت الشركة أن الأولوية ستكون للمهام المرتبطة بالخدمات الأساسية، وفي مقدمتها تشغيل محطات توليد الكهرباء وتوفير الوقود.
كما أشارت إلى أن تعليق العمليات سابقًا جاء ضمن إجراءات احترازية لحماية العاملين والمرافق النفطية.
ويُظهر هذا الإعلان مدى ارتباط الاستقرار الأمني في مناطق المسيلة باستمرارية إنتاج الطاقة والخدمات العامة، لكنه لا يعني عودة جميع عمليات الإنتاج والتكرير إلى طاقتها الكاملة في يوم الإعلان.
الأهمية العسكرية والسياسية للحدث
اكتسبت مواجهات بترومسيلة أهمية استثنائية لوقوعها بالتزامن مع التحولات العسكرية الواسعة التي شهدها وادي حضرموت، عقب سيطرة القوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي على سيئون ومواقع المنطقة العسكرية الأولى.
وبذلك شهدت المحافظة خلال أيام قليلة تغيرًا في السيطرة على مواقع عسكرية وإدارية ونفطية رئيسية، في تطور أعاد تشكيل موازين القوى داخل الساحل والوادي والهضبة.
كما كشفت المواجهات محدودية قدرة اتفاقات التهدئة على الصمود في ظل استمرار الحشد العسكري وغياب ترتيبات تنفيذية تحظى بثقة جميع الأطراف.
وكان للحدث بُعد اقتصادي واضح، نظرًا إلى أهمية حقول المسيلة في قطاع النفط والطاقة، فضلًا عن تأثير اضطراب العمل في المنشآت على إمدادات الوقود وتشغيل محطات الكهرباء.
ويمثل يوم 4 ديسمبر 2025 محطة مفصلية في ملف التحولات الأمنية والعسكرية بحضرموت، لأنه شهد انهيار محاولة مبكرة لاحتواء التصعيد، وانتقال السيطرة على منشآت استراتيجية إلى طرف عسكري آخر، ضمن سلسلة تطورات مهدت لمزيد من التوترات خلال الأسابيع التالية.