غارات جوية تهز وادي نحب وتفتح مرحلة التصعيد العسكري المباشر في حضرموت
شهد وادي نحب بمديرية غيل بن يمين في حضرموت، صباح الجمعة 26 ديسمبر 2025، غارات جوية نُسبت إلى الطيران السعودي، استهدفت محيط مواقع لقوات النخبة الحضرمية التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي. وجاءت الضربات بعد اشتباكات مع مسلحين قبليين وتصاعد التوتر بشأن السيطرة على المنطقة، وبعد يوم من مطالبة الرياض بانسحاب قوات الانتقالي من حضرموت والمهرة. ولم تُسجّل حصيلة مؤكدة لضحايا الغارات.
شهدت مديرية غيل بن يمين بمحافظة حضرموت، صباح الجمعة 26 ديسمبر 2025، تطورًا عسكريًا غير مسبوق في مسار الأزمة التي اندلعت مطلع الشهر، بعدما تعرضت مواقع في منطقة وادي نحب لغارات جوية نسبتها مصادر عسكرية وشهود عيان إلى سلاح الجو السعودي.
وجاءت الضربات في توقيت بالغ الحساسية، بعد أقل من أربع وعشرين ساعة على صدور بيان رسمي من وزارة الخارجية السعودية طالب المجلس الانتقالي الجنوبي بإنهاء تحركاته العسكرية في حضرموت والمهرة، وسحب قواته بصورة عاجلة ومنظمة.
ومع انتقال الأزمة من التصريحات الدبلوماسية إلى وقوع ضربات جوية، دخلت التطورات العسكرية في حضرموت مرحلة أكثر خطورة، وسط مخاوف من اتساع المواجهات بين القوات التابعة للمجلس الانتقالي والتشكيلات القبلية والعسكرية المناوئة لها.
الغارات الجوية في وادي نحب
أفادت مصادر عسكرية وشهود عيان لمركز «سوث24» بأن طائرتين حربيتين نفذتا غارتين صباح الجمعة على موقع لقوات النخبة الحضرمية في منطقة وادي نحب التابعة لمديرية غيل بن يمين.
وذكر التقرير أن الضربتين وقعتا نحو الساعة التاسعة صباحًا، مع تصاعد أعمدة الدخان بالقرب من مركبات وأفراد تابعين لقوات النخبة.
وفي تغطية مستقلة، نقل موقع «يمن مونيتور» عن مصادر محلية وقوع غارات في محيط معسكر نحب، عقب تحركات عسكرية للقوات التابعة للمجلس الانتقالي في المنطقة.
ولم تسجل المصادر المحلية التي تناولت الغارات سقوط ضحايا نتيجة القصف، بينما بقيت التفاصيل المتعلقة بحجم الأضرار المادية غير محسومة.
وتجدر الإشارة إلى أن السعودية لم تكن قد أعلنت رسميًا مسؤوليتها عن هذه الضربات عند نشر التقارير الأولى، ولذلك تُنسب الغارات إلى الطيران السعودي استنادًا إلى شهادات المصادر الميدانية والتغطيات الصحفية، لا إلى إقرار سعودي مباشر في ذلك الوقت.
اشتباكات سبقت الغارات
لم تأتِ الضربات الجوية بمعزل عن تطورات ميدانية سابقة؛ إذ شهدت مناطق غيل بن يمين خلال يوم 25 ديسمبر اشتباكات بين قوات تابعة للمجلس الانتقالي ومسلحين قبليين مرتبطين بحلف قبائل حضرموت.
وكانت قوات النخبة الحضرمية قد نفذت تحركات باتجاه مواقع قبلية في المنطقة، ضمن عمليات قالت إنها تستهدف مجموعات مسلحة ومطلوبين أمنيين.
وفي المقابل، ارتبطت المواجهات بخلاف أوسع حول السيطرة على مواقع داخل الهضبة الحضرمية، وخصوصًا المناطق التي تتمتع فيها التشكيلات القبلية بحضور مسلح.
ونقلت وكالة أسوشيتد برس عن عمرو البيض، ممثل الشؤون الخارجية بالمجلس الانتقالي، أن مواجهات وكمائن سبقت الضربات وأدت إلى مقتل اثنين من مقاتلي المجلس وإصابة اثني عشر آخرين.
وتتعلق هذه الحصيلة بالمواجهات السابقة للغارات، وليست حصيلة مؤكدة للقصف الجوي نفسه.
رد المجلس الانتقالي الجنوبي
عقب الغارات، أصدر المجلس الانتقالي الجنوبي بيانًا تحدث فيه عن تعرض قواته لقصف جوي، معربًا عن استغرابه من الضربات التي استهدفت مواقع لقوات النخبة الحضرمية.
وأكد المجلس أن تحركات قواته في حضرموت والمهرة جاءت، بحسب موقفه، استجابة لمطالب محلية تتعلق بمواجهة التهديدات الأمنية ومكافحة الجماعات المسلحة وقطع خطوط التهريب.
وفي الوقت نفسه، أعلن تمسكه بالشراكة مع دول التحالف، واستعداده للتنسيق بشأن ترتيبات تحقق المصالح الأمنية المشتركة.
وعكس البيان محاولة المجلس الدفاع عن تحركاته العسكرية مع تجنب إعلان قطيعة سياسية مع السعودية، رغم اتهام الطيران السعودي باستهداف قواته.
لكن المجلس لم يعلن في ذلك اليوم استجابته للمطلب السعودي بالانسحاب الكامل من المحافظتين.
تحرك رئاسي ومطالبة بإجراءات عسكرية
في اليوم نفسه، شهدت الأزمة تطورًا على مستوى مجلس القيادة الرئاسي اليمني.
فقد ترأس رئيس المجلس رشاد العليمي اجتماعًا طارئًا لمجلس الدفاع الوطني، خُصص لمناقشة الأوضاع في حضرموت والمهرة على خلفية التحركات العسكرية للمجلس الانتقالي.
ونقلت وكالة الأنباء اليمنية الرسمية عن مصدر مسؤول أن العليمي طلب من قوات التحالف اتخاذ تدابير عسكرية لحماية المدنيين في حضرموت، ومساندة القوات المسلحة في فرض التهدئة.
وجاء الطلب في ظل استمرار الخلاف حول إعادة الانتشار، ووجود قوات تابعة للمجلس الانتقالي في مواقع سيطرت عليها خلال الأسابيع السابقة.
وكان لهذا التطور أهمية خاصة، لأنه أظهر انتقال الأزمة إلى مستوى أعلى من التنسيق العسكري والسياسي بين القيادة اليمنية والتحالف.
روايات مختلفة بشأن طبيعة الضربات
وصفت مصادر محلية الغارات بأنها ضربات تحذيرية استهدفت وقف تقدم القوات التابعة للمجلس الانتقالي باتجاه مواقع قبلية في وادي نحب.
كما نقلت وكالة أسوشيتد برس عن قيادي في حلف قبائل حضرموت اعتقاده أن الغارات حملت رسالة تطالب المجلس الانتقالي بالانسحاب.
في المقابل، تعامل المجلس الانتقالي مع الضربات باعتبارها استهدافًا لقواته أثناء تنفيذ مهام أمنية.
وتشير هذه الروايات إلى اختلاف واضح في تفسير العملية؛ فبينما رأى طرف أنها تدخل لوقف التصعيد، عدّها الطرف الآخر قصفًا لقوات مشاركة في عمليات أمنية.
أما من الناحية التوثيقية، فإن وقوع انفجارات في المنطقة تدعمه شهادات وتسجيلات مصورة راجعتها وسائل إعلام دولية، بينما بقيت هوية الجهة المنفذة غير مؤكدة بإعلان سعودي رسمي عند وقوع الحدث.
لماذا مثّلت غارات وادي نحب نقطة تحول؟
اكتسبت غارات 26 ديسمبر أهمية استثنائية لأنها وقعت بعد أسابيع من الوساطات ومحاولات إعادة ترتيب الانتشار العسكري في حضرموت.
ففي مطلع الشهر، تغيرت السيطرة على مواقع المنطقة العسكرية الأولى في سيئون، ثم شهدت المنشآت النفطية في المسيلة مواجهات وتبدلًا في مواقع القوات.
وخلال منتصف ديسمبر، تصاعدت التعزيزات العسكرية في محور العبر–الوديعة، قبل أن تعلن السعودية رسميًا في 25 ديسمبر رفضها التوسع العسكري للمجلس الانتقالي.
وجاءت غارات وادي نحب في اليوم التالي، لتشكل تصعيدًا ميدانيًا مباشرًا أعقب التحذير الدبلوماسي.
ووفق قراءة لاحقة نشرها مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، جاءت الضربات المحدودة في سياق محاولة سعودية للضغط على القوات المحسوبة على المجلس الانتقالي ومنع استمرار توسعها.
غير أن هذا التفسير التحليلي لا يغيّر من ضرورة الفصل بين الوقائع الميدانية المؤكدة والتقديرات المتعلقة بأهداف العملية.
التداعيات العسكرية والسياسية
لم تُنهِ غارات وادي نحب الأزمة، لكنها كشفت ارتفاع احتمالات المواجهة العسكرية وتراجع فرص احتوائها عبر التفاهمات وحدها.
كما أظهرت أن الصراع على مواقع النفوذ في حضرموت لم يعد مقتصرًا على القوات المحلية، بل أصبح مرتبطًا بصورة مباشرة بالمواقف العسكرية والسياسية للقوى الإقليمية.
وزادت التطورات من أهمية المناطق القبلية في الهضبة، إلى جانب مواقع القوات المنتشرة في سيئون والعبر والوديعة.
وخلال الأيام التالية، استمر التوتر بشأن مستقبل انتشار المجلس الانتقالي في حضرموت والمهرة، وصولًا إلى أحداث 30 ديسمبر 2025 في ميناء المكلا.
وبذلك يُسجّل 26 ديسمبر 2025 باعتباره محطة مفصلية في التحولات الأمنية والعسكرية بحضرموت، لارتباطه بأول ضربات جوية نُسبت إلى السعودية في سياق المواجهة مع قوات المجلس الانتقالي خلال تلك المرحلة، بعد سلسلة من التحذيرات والمطالبات السياسية بالانسحاب.