هجوم حوثي على ميناء الضبة عام 2022 يوقف صادرات النفط ويفتح أزمة اقتصادية ممتدة
تعرّض ميناء الضبة النفطي في ساحل حضرموت، يوم 21 أكتوبر 2022، لهجوم بطائرات مسيّرة نفذته جماعة الحوثي، أثناء استعداد ناقلة نفط لتحميل شحنة من خام المسيلة تُقدّر بنحو مليوني برميل. ولم تُسجّل إصابات بشرية أو أضرار مادية في الهجوم الأول، إلا أنه دفع الناقلة إلى مغادرة الميناء دون تحميل شحنتها، وأثار مخاوف أمنية عطّلت عمليات التصدير. ومع تكرار الهجمات خلال الأسابيع التالية، تحوّل التعطيل إلى أزمة طويلة الأمد حرمت الحكومة اليمنية من أحد أهم مصادر إيراداتها والنقد الأجنبي.
تصعيد عسكري عقب انتهاء الهدنة
جاء الهجوم بعد أقل من ثلاثة أسابيع على انتهاء الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة في اليمن، في 2 أكتوبر 2022، دون التوصل إلى اتفاق لتمديدها.
وخلال تلك الفترة، تصاعد الخلاف بين الحكومة اليمنية وجماعة الحوثي بشأن الإيرادات النفطية وترتيبات دفع الرواتب، بالتزامن مع تحذيرات أطلقتها الجماعة للشركات والناقلات المشاركة في تصدير الخام من الموانئ الواقعة تحت سيطرة الحكومة.
وسبقت هجوم الضبة اعتداءات بطائرات مسيّرة على ميناء النشيمة النفطي في محافظة شبوة يومي 18 و19 أكتوبر، ما أظهر انتقال التصعيد إلى استهداف مرافق تصدير النفط على الساحل الجنوبي.
وكان ميناء الضبة في مديرية الشحر من أهم منافذ تصدير خام المسيلة والقطاعات المرتبطة به، الأمر الذي منح الهجوم تداعيات اقتصادية تتجاوز الموقع المستهدف.
21 أكتوبر.. المسيّرات تستهدف الميناء
في يوم الجمعة 21 أكتوبر، كانت ناقلة النفط «نيسوس كيا» (Nissos Kea)، التي ترفع علم جزر مارشال، موجودة في منطقة ميناء الضبة استعدادًا لتحميل شحنة من النفط الخام.
وبحسب بيان وزارة النفط والمعادن اليمنية الصادر يوم الهجوم، رُصد دخول طائرات مسيّرة إلى محيط الميناء عند الساعة 1:09 ظهرًا، قبل وقوع هجومين عند الساعة 2:05 و2:20 ظهرًا، بالقرب من الناقلة ومنصة التحميل.
وأفادت الوزارة بعدم وقوع خسائر بشرية أو أضرار مادية جراء الهجومين.
وأكدت شركة Okeanis Eco Tankers، المالكة للناقلة، وقوع انفجارين ناجمين عن طائرات مسيّرة بالقرب من السفينة، مشيرة إلى سلامة الطاقم وعدم تضرر الناقلة أو حدوث تلوث بحري.
ناقلة تغادر دون تحميل مليوني برميل
كان من المقرر أن تحمل الناقلة نحو مليوني برميل من الخام، وفق المعلومات التي نقلتها وكالة رويترز عن مسؤول حكومي يمني.
لكن الهجوم دفع قبطان السفينة إلى مغادرة منطقة التحميل حفاظًا على سلامة الطاقم والناقلة، دون إتمام عملية الشحن.
وأكدت الجماعة الحوثية مسؤوليتها عن الهجوم، ووصفته بأنه إجراء تحذيري لمنع تصدير النفط، بينما اعتبرته الحكومة اليمنية اعتداءً على منشأة اقتصادية مدنية وتهديدًا للملاحة البحرية.
وأصبح انسحاب الناقلة مؤشرًا مباشرًا على أثر التهديدات الأمنية في قدرة الحكومة على تصدير النفط، حتى في غياب أضرار مادية كبيرة بالمنشآت.
من هجوم منفرد إلى تعطيل الصادرات
لم تتوقف التطورات عند حادثة 21 أكتوبر.
فقد أدت المخاوف من تكرار الاستهداف إلى إحجام الناقلات عن دخول الموانئ النفطية اليمنية، بينما تواصلت الهجمات والتهديدات خلال نوفمبر 2022.
وفي 21 نوفمبر، تعرض ميناء الضبة لهجوم جديد أثناء وجود ناقلة النفط «براتيكا» (Pratika) لتحميل شحنة من الخام، ما دفعها إلى المغادرة.
وذكرت وكالة رويترز أن مقذوفًا أطلقته طائرة مسيّرة سقط عند مدخل الميناء، فيما أفادت تقارير أخرى بتضرر بعض معدات الضخ في هجمات لاحقة.
وهكذا انتقلت الأزمة من إلغاء شحنة محددة إلى تعطيل مستمر لعمليات التصدير، مع تعذر ضمان سلامة السفن ومرافق الشحن.
تداعيات مباشرة على الحقول النفطية
امتدت آثار توقف الشحن البحري إلى الحقول المنتجة، لأن استمرار ضخ الخام دون تصديره يؤدي إلى امتلاء مرافق التخزين ويجبر الشركات على خفض الإنتاج أو تعليقه.
وفي 31 أكتوبر 2022، أعلنت شركة كالفالي الكندية تعليق إنتاجها في القطاع رقم (9) بحضرموت، مشيرة إلى الظروف الصعبة ونقص القدرة التخزينية.
وتكشف هذه الواقعة أن الهجمات لم تقتصر آثارها على ميناء الضبة، بل امتدت إلى سلسلة الإنتاج والنقل والتخزين المرتبطة بالقطاع النفطي.
ومن المهم التمييز بين توقف صادرات النفط الخام وبين توقف جميع الأنشطة النفطية؛ فقد استمرت بعض أعمال التشغيل والصيانة والإنتاج المخصص للاستخدام المحلي بحسب ظروف كل منشأة.
أزمة إيرادات تهدد الاقتصاد اليمني
كان النفط أحد أبرز مصادر الإيرادات الحكومية والعملات الأجنبية قبل هجمات أكتوبر 2022.
ومع تعطل الصادرات، فقدت الحكومة موردًا أساسيًا تعتمد عليه في تمويل النفقات العامة ودعم استقرار العملة وتمويل واردات السلع الأساسية.
وحذّر مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية في تقريره عن أكتوبر 2022 من أن استمرار توقف الإيرادات النفطية سيضعف قدرة البنك المركزي في عدن على التدخل لدعم العملة وتمويل الواردات، وقد يزيد الضغوط التضخمية.
وفي السنوات التالية، أصبح توقف تصدير النفط أحد العوامل الرئيسية وراء استمرار الأزمة المالية للحكومة، إلى جانب التحديات الاقتصادية والمؤسسية الأخرى.
إدانات دولية وتحذيرات للملاحة
أدان مجلس الأمن الدولي في 26 أكتوبر 2022 الهجمات الحوثية بالطائرات المسيّرة على ميناء الضبة، واعتبرها تهديدًا لجهود السلام والاستقرار.
كما أصدرت جهات مختصة بالأمن البحري تحذيرات بشأن ارتفاع المخاطر على السفن التجارية العاملة قرب ميناء الشحر، في ظل احتمال تكرار الهجمات.
وزادت هذه التطورات من صعوبة استعادة نشاط التصدير، الذي يتطلب ضمانات أمنية تقبل بها شركات الشحن والتأمين والمشترون الدوليون.
الأثر التاريخي للحدث
يُعد هجوم 21 أكتوبر 2022 أحد أبرز التحولات في تاريخ نفط حضرموت، إذ نقل أزمة القطاع من تحديات الإنتاج والتشغيل إلى أزمة أمنية تستهدف منفذ تصدير الخام بصورة مباشرة.
كما أظهر مدى اعتماد الإيرادات النفطية على أمن الموانئ والممرات البحرية، حتى عندما تكون الحقول ومنشآت الإنتاج قادرة فنيًا على العمل.
ويمثل هذا التاريخ بداية مرحلة جديدة من تعطّل صادرات نفط حضرموت، بعدما تحوّل ميناء الضبة من منفذ استراتيجي لتوفير الإيرادات إلى نقطة مركزية في الصراع الاقتصادي المرتبط بالحرب اليمنية.